الجمعة، 5 يونيو 2009

دخل الدولة من «BOT» يفوق « 4 - 5» أضعاف دخلها من «الرخصة».. فأين المشكلة إذاً؟...لماذا لم يلح المشغل الثالث في الأفق حتى الآن؟!..



مع تصريحه الأخير الذي كشف عن انقطاع رغبة مؤسسته في تعديل لوائح تسعير خدمات الخليوي بعدما تيقنت من عدالة هذه اللوائح قياسا مع الدول العربية، يكون المهندس رؤوف العيد معاون المدير العام للاتصالات قد أسدل الستار عن مسرحية كاملة الفصول ما زالت قائمة منذ عام ونيف، على خشبة المشغل الثالث للخليوي في سورية.
ففي جميع الفصول السابقة التي تحدث فيها مسؤولو قطاع الاتصالات عن القضية، دار الحديث دائما عن أن العقود المبرمة مع كلا المشغلين لا تخولهم طلب التخفيض، متبعين ذلك بقولهم إن تحسن الخدمات وتخفيض الأسعار لهو مسألة مؤجلة إلى حين دخول المشغل الثالث.. هكذا قال السيد وزير الاتصالات والتقانة في تصريحاته وآخرها تحت قبة البرلمان، وهكذا قال السيد مدير المؤسسة ملتحقا بمسيرته في أكثر من مناسبة..ولئن كان الحديث القائم عن العلاقة بين دخول المشغل الثالث من جهة، وبين انخفاض الأسعار وتحسن الخدمة من جهة أخرى، لا يزال يفتقر إلى العلمية، إلا انه يجدر البحث في أسباب الإصرار المستميت على ربط دخوله «وتاليا تحقيق الجودة والسعر المنخفض» بتغير الصيغة العقدية القائمة مع المشغلين الحاليين من «B.O.T» إلى «رخصة»، أي بمعنى أكثر وضوحاً، يجدر التساؤل عن الأسباب التي تجعل البعض يصرون على الربط بين مصالح المستخدمين «الذين هم قبل ذلك مواطنون»، وبين تغير القالب العقدي لخدمات الخليوي في سورية.وبما أن مساحتنا الإعلامية غير مخصصة للغوص في النيات العميقة، فيحسن أن نختزل القضية بمحاولة الإجابة عن القضية التالية:من الواضح أن شركتي «سيريتل» و«إنفستكوم سابقا» قد قبلتا بالصيغة التعاقدية «B.O.T»، كما أنه بات من الجلي أنهما استطاعتا تحقيق أرباحهما بشكل مرض..الأهم من هذا وذاك أن الخزينة العامة حصلت من وراء الصيغة التعاقدية «B.O.T» على أرباح طائلة كانت وما زالت ضرورية لدعم قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه مواطنيها «قبل أن يصبحوا مستخدمين للخليوي».وبما أن جميع الأطراف قد قبلت بالعلاقة على هذه الشاكلة، فإن المصلحة الوطنية تقتضي الإجابة بدقة عن السؤال التالي ليصار بعدها إلى اتخاذ الطريق القويم في إدخال المشغل الثالث:- هل ستحقق الصيغة التعاقدية وفق مبدأ الرخصة ذات النسبة من العائدات التي حققها المشغلون الحاليون «ونقول هنا نسبة وليس قيمة مطلقة وذلك بغض النظر عن تخفيض الأسعار مستقبلا»؟؟.للإجابة عن هذا السؤال، يبدو من المفيد قياس القضية بما جرى في دول عربية وإقليمية «مصر وإيران» اللتين تتشابهان معنا في واقعهما المعيشي والتنظيمي..لماذا الرخصة وليس الـB.O.T؟إذا تناولنا مقدار ما تتقاضاه الدولة في ظل «صيغة الرخصة» سنجد الواقع التالي:دفعت شركة اتصالات مبلغ 3.1 مليارات دولار للحصول على المشغل الثالث في مصر عام 2006، وتدفع نسبة 6% من عائداتها للدولة سنوياً مقابل هذه الحصة.أما في إيران فإن قيمة الرخصة الثالثة بلغت أقل من 500 مليون دولار دفعة واحدة، إضافة إلى نسبة صغيرة أيضاً تدفع سنوياً من العائدات.وبالمقارنة المرتكزة إلى عدد مشتركي الخليوي قياسا بعدد السكان، سنجد أن جمهورية مصر العربية التي يبلغ سكانها 70 مليوناً، بعدد مشتركي خليوي كلي 40 مليوناً، منهم 7.5 ملايين مشترك للمشغل الثالث.ومع الأخذ بعين الاعتبار أن مشغل «اتصالات» استطاع الحصول على مليون مشترك خلال 50 يوماً من بدء عمله في مصر، فإننا يمكن أن نتوصل ببساطة إلى أن الرخصة الثالثة في بلد مثل سورية «عدد السكان 20 مليوناً- عدد مشتركين 7 ملايين»، لا يمكن أن ترسو بأكثر من مليار دولار «كقيمة قياسية» بأي شكل من الأشكال «هذا في أحسن الأحوال طبعا لأن المقارنة مع إيران تساعد على خفض هذا التوقع، وهي الأقرب إلى الواقع لأنها الأحدث».والآن..إذا ما قارنا دخل الدولة من عقود الـ«B.O.T» في سورية «بدأت بـ 30% من العائدات الإجمالية -وليس الأرباح- ثم تطورت إلى40%، فـ 50% حالياً» من جهة.وإذا ما أخذنا بالاعتبار ما تدفعه كلتا الشركتين الحاليتين للمؤسسة كل عام من جهة ثانية.وفيما لو فرضنا أنه تم إدخال المشغل الثالث لمدة «15» عاما وبنفس الشروط التي دخل فيها في مصر وإيران، فسنجد أن القيمة «القياسية» آنفة الذكر للرخصة «التي تدفع لمرة واحدة مضافاً إليها نسبة سنوية 6%»، سنجد بأن كل هذا لا يعادل ما يتم تحصيله للدولة من عائدات في ظل الـ«B.O.T» في عامين أو ثلاثة أعوام كحد أقصى؟؟؟!!!..دخل الدولة من B.O.T يصل إلى 4 - 5 أضعاف الرخصةيتضح جلياً من الأرقام السابقة، أن دخل الدولة خلال نفس الفترة «15 عاماً» من عقود الـ«B.O.T» يوازي «4- 5» أضعاف هذا الدخل من «الرخصة» في نفس الفترة، وبذلك يجدر التساؤل حول السبب الذي يكمن وراء إصرار وزارة الاتصالات على دخول المشغل الثالث وفق رخصة بدلاً من الـ B.O.T.ولأن عقود الـ B.O.T تنص على أن جميع التجهيزات والبنية التحتية الخليوية تؤول ملكيتها للدولة بعد انتهاء فترة الـ 15 عاماً (باشتراط أن تكون جديدة كما تنص العقود)، فيما في حالة الرخصة فإن التجهيزات تبقى ملكاً للشركة، فإن السؤال السابق يصبح أكثر إلحاحا إذ إن ثمن التجهيزات هو الآخر يبلغ عدة مليارات من الدولارات، وبذلك تتصاعد نسبة الـ«4-5» أضعاف التي أسلفناها إلى حدود «7-8» ربما؟؟!!..فما المنافع التي ستبرر تنازل الدولة عن مبالغ مالية كبيرة تحصل عليها من صيغة «B.O.T» وتوازي حوالي 7 أضعاف ما ستحصل عليه من «الرخصة»؟!..ذرائع.. وأسئلة!على الرغم من أن وزارة الاتصالات لم ولن «فيما يبدو» تتطرق إلى هذا الموضوع، إلا أننا سنشير إلى مجموعة من النقاط التي تم «أو سيتم لاحقا» استخدامها كذرائع للانتقال من الـ«B.O.T» إلى الرخصة:- يمكن أن يقول البعض إن الرخصة تزيد من فعالية ودور القطاع الخاص.- جلب الاستثمارات من القطاع الخاص أو من الخارج بدلاً من أن تدفعها الدولة.- زيادة التنافسية.- أغلب دول العالم تستخدم الرخص وليس الـ B.O.T.فإذا ما علمنا أن عقود الـ B.O.T هي مع القطاع الخاص أساساً وبالتالي فإنها تزيد من دور القطاع الخاص بنفس مقدار ما تزيده الرخصة، وإذا ما علمنا أن الاستثمارات التي تتم في ظل الـ«B.O.T» هي بكاملها من القطاع الخاص، فإن النقطتين الأولى والثانية تسقطان تماماً، فيما تبقى النقطة الثالثة والرابعة اللتان سنناقشهما لاحقاً بموضوعية، علّنا نصل إلى الحقائق:أولاً - إن موضوع التسعير في عقود الـ B.O.T ليس قيداً من قبل المشغل على الدولة إطلاقا، بل هو قيد من الدولة على المشغل، ذلك أن العقود نصت على ضرورة «موافقة وزارة الاتصالات على التخفيض أو التسعير ممثلةً بالمؤسسة العامة للاتصالات وليس موافقة الشركات على قرارات المؤسسة».وعلى الرغم من أن الوزارة لا تستطيع فرض سعر بعينه على الشركات تحت سقف عقود «B.O.T»، فإن نظام «الرخصة» هو الآخر لا يسمح للدولة بفرض تسعيرة بعينها على الشركات، وبذلك، وإذا كانت وزارة الاتصالات والتقانة صادقة في النوايا حيال التخفيض والتنافسية» فما عليها سوى أن تطلب من مؤسسة الاتصالات «صاحبة الحق عقديا بالموافقة على التسعير أو لا»، أن تطلب منها الموافقة وترك التسعير والعروض للشركات ليقرره التنافس الذي يحدده وضع السوق.. هكذا هو الأمر بكل بساطة؟!.. وحتى لو قدمت المؤسسة حججا مفادها الخوف من تراجع عائداتها نتيجة للتخفيض، فإن المنطق والحسابات كفيلان بدحض هذا الادعاء، ذلك أن المؤسسة تتقاضى حالياً 50% من العائدات الإجمالية، وليس الأرباح.وبالتالي فإن نسبة الـ 50% الباقية يجب أن تغطي مصاريف وتكاليف ونفقات الشركات والضرائب التي تدفعها للدولة وما يتبقى هو الأرباح الحقيقية للشركات، وبذلك- وبما أن الشركات تقوم بالتخفيضات لزيادة عدد مشتركيها- وبالتالي زيادة عائداتها وليس العكس، فإن الكلام عن انخفاض العائدات يفتقر إلى المنطق.. وفي الحقيقة فإن هذا الكلام ليس نظرياً، ذلك أن العائدات التي تقاضتها المؤسسة من قطاع الخليوي خلال السنوات الماضية، ازدادت طردا مع كل تخفيض أجري على التسعيرة وذلك نتيجة لزيادة عدد المشتركين.إدارة الترددات ونظام الرخصأما النقطة الرابعة والأخيرة التي تقول إن أغلب دول العام تستخدم نظام الرخص وليس الـ B.O.T فهي فعلاً حجة ليست واهية وحسب، بل غريبة أيضا، ذلك أنها تتعلق بالطريقة التي تدير فيها الدول المختلفة ملكيتها وثرواتها الوطنية.وهنا يجب أن نركز على ما تقره كل الدول في العالم وهو أن الترددات اللاسلكية (المستخدمة في الاتصالات الخليوية) هي ثروة وطنية محدودة «أي إنها تشبه الماء والنفط والثروات الباطنية والآثار..».ولشرح هذه الفكرة ببساطة فإننا نذكر المثال التالي:إن التردد 900 MHZ هو التردد المفضل للهاتف الخليوي، يليه التردد 1800، وفي الحقيقة فإن التردد «900» ليس متاحاً إلى ما لا نهاية، حيث لا يوجد فوق أي بقعة جغرافية من هذا التردد سوى «25 ميغا» متاحة، ولدى استهلاك هذه النطاق ينسد هذا النطاق بالكامل.فإذا ما علمنا أولا أن هناك جهات أخرى في الدولة تستخدم هذا التردد، وإذا ما علمنا –ثانيا- أن كل من شركتي الخليوي الحاليتين لها الحق بـ 10 ميغا «كما تنص العقود»، في حين أنها لم تحصل سوى على «6.3» لكل شركة «لعدم تمكن المؤسسة من تخصيص حزمة أكبر»، سنجد ببساطة أن هذه هي ثروة حقيقية وليست وهمية وهي فعلاً ملك للدولة.كلام عن جودة الخدمةجودة الخدمات هي الأخرى إحدى الشماعات التي تعلق عليها آمال الباحثين عن تحويل الصيغ التعاقدية من «B.O.T» إلى «رخصة»، إلا أنه يجب التذكير بأن عقود «B.O.T» المبرمة، ومعها مرسوم إحداث وزارة الاتصالات، تنصان على إعطاء الدولة ممثلة بوزارة الاتصالات والمؤسسة العامة للاتصالات التابعة لها بموجب القانون، كل الحق بفرض معايير الجودة والتنافسية على الشركات.فإذا كان السيد الوزير والمسؤولون في المؤسسة العامة للاتصالات يعلمون كل ذلك وبدقة أكثر مما ذكرناه أعلاه فإننا نسأل:- لماذا يحجبون الحقيقة الكامنة وراء التناقض فيما يتعلق بالتسعير، ولماذا يداومون على القول «كما فعلوا أمام مجلس الشعب» بأن العقود لا تسمح «قبل أن يتبين من حديث معاون مدير المؤسسة أن الرفض يأتي منهم»؟- لماذا يريد البعض التفريط بعائدات الدولة -وبشكل هائل- في ظل الرخصة دون أي مبرر أو منفعة مقابلة؟- لماذا لم يتم الإعلان الفوري عن المشغل الثالث وفق B.O.T، وهو الذي قارب العامين على تأخره؟- لماذا لم يترك للمنافسة تحديد الأسعار، مع الأخذ بعين الاعتبار ألا تؤثر سلباً في عائدات الدولة؟- لماذا لا تزال وزارة الاتصالات والتقانة «ومعها المؤسسة» تدير ظهرها لقضية معايير «جودة الخدمة» والتنافسية التي تعطيها العقود والقوانين السارية كل الحق في فرضها؟تداعياتفي الحقيقة يكفي العودة إلى التقرير الذي توصلت إليه اللجنة المشتركة المنبثقة عن «لجنتي القوانين المالية والخدمات» في مجلس الشعب في عام 2002، للاطلاع على الكثير من الحقائق حول الجدوى الكبيرة التي حققها التعاقد مع شركات الخليوي وفق صيغة «B.O.T»، وهي -بالمناسبة- نتائج استندت إلى دراسات في كليتها تجارب تعاقدية في بعض الدول عربية والصديقة.وبذلك يجدر التساؤل حول الأسباب التي تجعلنا نمارس كل هذا التجاهل وتقطيع الوقت وفنون الابتكار، إزاء قضية حظيت بالكثير من الدرس والتمحيص تماشيا مع ما لها من أهمية وطنية.ولعل الذاكرة تعود بنا ها هنا، إلى حديث صحفي أجري في شباط الماضي مع أحد المستشارين في وزارة الاتصالات والتقانة، وتناول حينها أسباب الإحجام عن تصديق بعض العقود التي أبرمتها مؤسسة الاتصالات من قبل رئاسة مجلس الوزراء.. حينها قال المستشار: لو أرسلنا العقد للتصديق فإنه سيبقى مدة ثمانية أشهر وهذا سوف يحقق خسائر للشركات المتعاقدة!!!
http://www.alwatan.sy/dindex.php?idn=58340

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق